«

»

ديسمبر 15 2014

Print this مقالة

اضرب الكلب “كيلا” ينبح…. بقلم عبد العزيز الرماني

03

كان الطقس باردا في صباح ذلك اليوم من شهر دجنبر1951، حين جاء ولي العهد مولاي الحسن إلى الدرب الكبير بمدينة الدارالبيضاء، ليدشن عيادة الدكتور عبد الكريم الخطيب. وعند ترجله من السيارة؛ ظهرت له لافتة على مرأب العمارة كتب عليها “جريدة العلم”، فسأل الدكتور الخطيب: أرى أن مكتبك فوق مقر “العلم” ؟ فأجابه الخطيب : “نعم، أسميت سيدي” فقال ولي العهد آنذاك ضاحكا: “ألا تخاف أن يزعجك الصحفيون أو يزعجوا مرضاك؟”.

أجابه الخطيب :”لا تقلق سموك، فالسماعة لن تفارق أذني طيلة النهار “.

هذا الحوار مضت عليه 63 سنة، لم يكن حينها عبد الكريم الخطيب قد فكر في تأسيس أي حزب او نقابة بما فيها العدالة والتنمية الذي يقود سفينة الحكومة اليوم.

وإذا كان الخطيب لم يبد أي انزعاج من الصحافة وضجيج أقلامها التي يجب على السياسي تحمله، فحزبه اليوم يسير نحو شن مواجهة مع الصحافة قد لا تبقي ولا تذر.    

ولعل المنزعجين من كلام الصحافة وكتاباتها سيخلفون موعدهم مع التاريخ. فإخراس الأقلام لم يكن في يوم ما قرارا سليما، أوعملا حكيما.

وليلة استفاق عبد الإله بنكيران على خبر وفاة عبد الكريم الخطيب في 27 شتنبر 2008  لم يخف حزنه الشديد فقال: “لقد فقدنا بطلا من الأبطال ،بل جبلا من الجبال”، أما سعد الدين العثماني الذي كان يقود الحزب قبل شهرين من ذلك التاريخ، فقد قال عن الراحل:” إن الخطيب قال كلمة “لا” حيث يجب أن يقولها، فقال “لا” ضد الحزب الواحد، وقال “لا” ضد خنق الحريات، وقال “لا” ضد حالة الاستثناء..”.

ومن حكمة الأقدار، أن تاريخ وفاته صادف اليوم الذي ساهم فيه في تأسيس حزب الحركة الشعبية بتشجيع من رئيس الحكومة آنذاك الهبيل البكاي سنة 1957. وقد سارع الاستقلاليون، الذين كانوا يمثلون الأغلبية في الحكومة،إلى حل الحزب  بقرار من وزير الداخلية  حينها إدريس المحمدي.

وجريدة “العلم”، التي قال الخطيب أن صحفييها لن يزعجوه في عيادته، جابهته يوم 25 أكتوبر 1957 بعنوان عريض:”خطوة هامة نحو الاستقرار السياسي:الحكومة تمنع هيأة سياسية مشبوهة”.

كان المحجوبي أحرضان حينها عاملا على الرباط، وكان ينسق مع  حدو الريفي وعبد الكريم الخطيب في كل مراحل تأسيس الحركة الشعبية، لكنه لم يتمالك نفسه فظهر في ندوة صحفية يقول للاستقلاليين:” نحن طالبنا بالاستقلال، وأنتم تسعون لنزع الحرية منا..” فجاءته الإقالة من مهامه في اليوم التالي.

وما ان استقبل المحجوبي أحرضان قرار إقالته  حتى فاجأته جريدة “العلم” بتساؤلات مثيرة:”متى كنت يا أحرضان مطالبا بالاستقلال؟ متى شاركت في المقاومة والنضال من أجل الحرية ؟ألم  تتكون يا أحرضان في أحضان الجيش الفرنسي؟”

وإذا كان التاريخ يعيد نفسه أحيانا، فها هو حزب “العدالة والتنمية”؛ صاحب الأغلبية في الحكومة، يطالب بحل حزب “الأصالة والمعاصرة” علما أن حل الأحزاب أصبح بيد القضاء في الدستور الجديد.

أما المواجهة مع الصحافة والصحافيين، فطعمها يختلف عن المواجهة السياسية،لأنها تكتسي تهديدا لحرية الصحافة والتعبير.

فالحرية التي يتمتع المغرب بها اليوم، تعفي الصحفيين من إنشاء صحف كاريكاتورية ساخرة كما كان الأمر في بداية القرن، حين كانت البلاد ترزح تحت وطأة الاستعمار.

  وكما هو الحال في المغرب فقد ظهرت في لبنان حينها، صحف كثيرة ساخرة، ومنها مجلة “الدبور” التي وصفت رئيس الوزراء تاج الدين الحسيني أثناء تعيينه، بما يلي: “رئيس وزرائنا،له لحية لا تزيد عن نصف سنتيمتر، فلا يقدر أحدٌ أن يراها إلا إذا وقف على بُعد أقل من نصف متر، وله فم صغير بقدر الفستقة، وشاربان صغيران جداً.. وأنف منمنم..”.

ومن الحكايات الطريفة التي تعرض لها الفرنسيون في لبنان أن مجلة “الدبور”رسمت كاريكاتيراً يمثل كلباً يضربه مواطن، وكتبت تحت الرسم بخط عريض واضح : ” اضرب الكلب كيلا ينبح”..‏‏

وكان المندوب السامي الفرنسي حينذاك في سورية ولبنان اسمه ” دو كيلا..” فغاظه الأمر كثيرا، فرفع دعوى ضد الجريدة، ترافع فيها كبار المحامين في لبنان وسوريا، وتحولت المرافعات إلى نقاش لغوي طويل حول لفظة “كيلا” هل تكتب كذلك أم تكتب هكذا “كي لا”، فاضطر المندوب الفرنسي لسحب دعواه بعد ثلاثة أشهر من بدء المحاكمة والمرافعات اللغوية.

Permanent link to this article: http://www.telegram.es/%d8%a7%d8%b6%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d8%a8-%d9%83%d9%8a%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d9%86%d8%a8%d8%ad-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%8a%d8%b2/